عندما كانت بغداد نبض العالم وعقله المفكر

 

كنتُ أتصفح ذات مرة خريطة قديمة للعالم الإسلامي في القرن التاسع الميلادي، ولاحظت أمرًا غريبًا: كل الطرق كانت تؤدي إلى بغداد. ليس بالمعنى الجغرافي فقط، بل بالمعنى الحضاري.
كانت المدينة أشبه بمغناطيس عملاق يجذب العقول من كل أنحاء العالم: علماء من الهند، فارس، اليونان، الصين… جميعهم كانوا يحلمون بالوصول إلى تلك الجوهرة الذهبية على ضفاف دجلة.

وهنا بدأ السؤال الذي حيّرني دائمًا:
كيف تحولت مدينة لم يتجاوز عمرها بضعة عقود إلى أعظم مركز للعلم والمعرفة في العالم؟
وكيف جعلت أوروبا تتعلم العربية فقط لقراءة ما يُكتب فيها؟

دعني آخذك في رحلة لنكتشف معًا.

 


تمثال أبو جعفر المنصور مؤسس بغداد

تمثال أبو جعفر المنصور مؤسس بغداد

البداية: حلم الخليفة المنصور

عام 762 ميلادي، قرر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بناء مدينة جديدة. لم تكن مجرد عاصمة إدارية، بل مشروع حضاري ضخم.
اختار موقعًا استراتيجيًا بين دجلة والفرات، على مفترق طرق التجارة العالمية. كان يؤمن بأن المدينة التي تجمع التجارة + العلم ستصبح قوة لا تُقهر.

ومما يثير الإعجاب حقًا أن المنصور صمّم "مدينة السلام" بشكل دائري مثالي، بأسوار قوية وأربعة أبواب تمثل طرق الحضارة: باب خراسان، باب الشام، باب الكوفة، باب البصرة.
كأنه كان يقول للعالم: “هنا سيلتقي الجميع.”


جامعة بيت الحكمةبيت الحكمة: جامعة العالم الأولى

بيت الحكمة: جامعة العالم الأولى

لو سُئلتُ عن أعظم إنجاز حضاري في تاريخ البشرية، لقلت بلا تردد: بيت الحكمة.

تخيّل مؤسسة تجمع:

  • مكتبة ضخمة

  • مركز أبحاث

  • جامعة

  • دار ترجمة

  • مرصد فلكي

كل ذلك في مكان واحد!

أسسه هارون الرشيد وطوّره المأمون ليصبح أسطورة خالدة.

ماذا كان يحدث داخل بيت الحكمة؟

كانت القاعات تمتلئ بالمخطوطات، والعلماء يناقشون بلغات متعددة، ورائحة الورق والحبر تملأ المكان.
المأمون كان يرسل بعثات إلى بيزنطة والهند وفارس للحصول على المخطوطات. كان يدفع وزن بعضها ذهبًا! نعم، وزن المخطوطة نفسها.

ومن أشهر نجوم الترجمة:

  • حنين بن إسحاق: أتقن العربية واليونانية والسريانية، وترجم أهم كتب الفلسفة والطب.

  • كانت أجور المترجمين تُحسب بوزن ما يترجمونه من كتب… ذهبًا.

المعرفة كانت أثمن من الذهب حرفيًا.


السر الأول: الانفتاح الثقافي بلا حدود

عبقرية بغداد لم تكن في الكتب فقط، بل في التنوع البشري المدهش.
لم تكن مدينة عربية صافية، بل كانت موزاييك حضاري:

  • فرس

  • عرب

  • أتراك

  • هنود

  • يونانيون

  • يهود

  • مسيحيون

  • مسلمون

الجميع كانوا جزءًا من النسيج الاجتماعي.

ومن أمثلة العباقرة:

  • ثابت بن قرة: صابئي حراني أصبح من أعظم علماء الرياضيات.

  • يوحنا بن ماسويه: مسيحي ترأس بيت الحكمة.

  • الخوارزمي: من خوارزم، مؤسس علم الجبر والخوارزميات.

الأجمل من هذا كله؟
كانت هناك مناظرات علنية في قصر الخليفة بين علماء من ديانات وفلسفات مختلفة.
الجميع يعرض أفكاره بحرية… والخليفة يستمع!

مستوى نادر حتى في عصرنا.


السر الثاني: الدعم الحكومي السخي

الخلفاء العباسيون أدركوا أن العلم هو القوة الحقيقية.
المأمون خصص ميزانية ضخمة للعلماء، بل أرسل بعثات علمية لقياس محيط الأرض في صحراء سنجار.

الرواتب كانت مبهرة، والعلماء يعيشون في رفاهية تتيح لهم التفرغ للتأليف والبحث.


السر الثالث: حركة الترجمة الأعظم في التاريخ

حركة الترجمة في بغداد كانت مشروعًا ثقافيًا عالميًا استمر لنحو قرنين.
تُرجمت أعمال من:

  • اليونانية

  • السريانية

  • الفارسية

  • الهندية

لكن الأمر لم يكن نسخًا ونقلًا فقط.
بل كانت الترجمات مصحوبة بـ:

  • شروح

  • إضافات

  • نقد

  • تصحيح نظريات سابقة

بمعنى آخر… بغداد لم تكن ناقلًا للمعرفة، بل مصنعًا لتطويرها.

لحظة فارقة

ضاعت كثير من النصوص اليونانية الأصلية، ولم يبقَ منها إلا الترجمات العربية التي حفظها العلماء.
وعندما نهضت أوروبا، أعادت ترجمة هذه النصوص إلى اللاتينية من العربية.
هكذا حفظت بغداد تراث الإنسانية كلها.


العباقرة الذين غيّروا وجه العالم

الخوارزمي — أبو الجبر

أسس علم الجبر، ومن اسمه جاء مصطلح Algorithm الذي يعتمد عليه كل هاتف وكمبيوتر في العالم.

الكندي — فيلسوف العرب

كتب في الفلسفة والرياضيات والطب والموسيقى والتشفير. أول من وضع أسس علم فك الشفرات.

الرازي — أعظم أطباء البشرية

ميّز بين الجدري والحصبة لأول مرة، وكتابه "الحاوي" ظل مرجعًا طبيًا عالميًا لقرون.


المراصد الفلكية… ثورة علمية حقيقية

أنشأ العباسيون مراصد متقدمة في بغداد وحرّان ودمشق.
وحققوا إنجازات مذهلة:

  • قياس طول السنة الشمسية بدقة مذهلة (الفرق عن الناتج الحديث دقائق فقط).

  • قياس محيط الأرض بدقة عالية.

  • تطوير أدوات رصد متقدمة.

وفي الوقت نفسه، كانت أوروبا تظن أن الأرض مسطحة.


البيمارستانات: مستشفيات بمعايير حديثة

كانت مستشفيات بغداد معجزات طبية بمعايير عصرها.
كان فيها:

  • أقسام متخصصة

  • أطباء محترفون

  • علاج مجاني للجميع

  • رعاية نفسية

  • حدائق وموسيقى للعلاج النفسي

وكان المريض يُعطى نقودًا وملابس جديدة عند خروجه.


لماذا انتهى العصر الذهبي؟

هنا الجزء المؤلم.

الانهيار كان تدريجيًا:

  • ضعف الخلفاء سياسيًا

  • سيطرة القادة العسكريين

  • تشتت الدولة

  • تناقص ميزانيات العلم

  • هجرة العقول

ثم جاءت الكارثة:
غزو المغول 1258.
دمّر هولاكو بغداد، وأُلقيت مئات الآلاف من الكتب في دجلة حتى اسودّ النهر بالحبر.

بُنيت حضارة في قرون… ودُمرت في أسابيع.


الإرث الباقي

رغم كل شيء، بقي إرث بغداد حيًا.
ما أنتجته من علوم انتقل عبر الأندلس إلى أوروبا، وأسس عصر النهضة الأوروبية.

الكثير من الكلمات الإنجليزية أصلها عربي:
Algebra، Algorithm، Alchemy، Alcohol
وكلها شهادات على الأثر الخالد لتلك الحضارة.


الدروس المستفادة

  1. الانفتاح قوة
    بغداد تقدمت لأنها احتضنت الجميع.

  2. العلم هو الاستثمار الحقيقي
    بناء العقول أهم من بناء الجيوش.

  3. المعرفة لا حدود لها
    ما أنتجه علماء بغداد استفادت منه البشرية كلها.

  4. الحضارة تُبنى بالعقول لا بالسيوف
    وهذا هو جوهر القوة الحقيقية.


خاتمة: حلم لم يمت

عندما أنظر إلى واقعنا العربي اليوم، أشعر بحزن شديد… نحن أحفاد تلك الحضارة العظيمة، ومع ذلك نستورد حتى المعرفة.

لكنني أيضًا متفائل.
الشباب العربي قادر على الإبداع إذا توفرت له الفرصة.
نحتاج فقط أن نتبنى قيم بغداد:
الانفتاح، العلم، الحرية الفكرية، ودعم الباحثين.

بغداد لم تكن مجرد مدينة…
كانت فكرة.
وفكرة كهذه لا تموت.
هي تنتظر فقط من ينهض بها من جديد.


المصادر والمراجع

  • العلم في عصر الحضارة الإسلامية – هوارد تيرنر

  • بيت الحكمة: كيف حفظ العرب حضارة الإغريق – جيم الخليلي

  • موسوعة Cambridge History of Islam

  • كتابات جواد علي

  • مشروع Islamic Heritage Project (McGill University)

  • متحف العلوم – لندن

  • أبحاث Foundation for Science, Technology and Civilisation