قصة مملكة سبأ: من بلقيس إلى انهيار السد

حين تقف أمام بقايا سد مأرب اليوم، وتتأمل تلك الحجارة الهائلة التي صمدت آلاف السنين، يتسلل إلى ذهنك سؤال لا يمكن تجاهله: كيف استطاع شعب عاش قبل أكثر من ألفي عام أن يبني حضارة بهذه القوة والدهشة؟
الحقيقة أن سبأ لم تكن مجرد مملكة عابرة، بل إحدى أعظم الحضارات التي عرفتها شبه الجزيرة العربية؛ ازدهرت اقتصاديًا، وأبدعت في الهندسة المائية، وسيطرت على طرق التجارة الدولية. ومع ذلك، كانت قصتها سلسلة من الارتفاعات والانتكاسات، ومن المجد والانهيار.




مملكة وُلدت من قلب الصحراء 

نشأت مملكة سبأ في المرتفعات الوسطى من اليمن، حيث كانت مأرب عاصمتها اللامعة. اختار السبئيون هذا الموقع بعناية لأنه يقع على مفترق طرق تجارية محورية تربط بين الهند وبلاد الشام ومصر.
ورغم الاعتقاد السائد بأن الحضارات القديمة كانت بسيطة، إلا أن سبأ أثبتت العكس. فقد امتلكت نظامًا إداريًا متطورًا، ولغة مكتوبة متقنة هي المسند الجنوبي، ومعابد ضخمة، وشبكة ري تُعد من أذكى ما عرفه التاريخ القديم.

تشير النقوش الأثرية إلى أن مملكة سبأ ظهرت حوالي القرن العاشر قبل الميلاد، وبلغت ذروة قوتها بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي.


بلقيس: بين الأسطورة والتاريخ 

لا يمكن أن تُذكر سبأ دون الحديث عن بلقيس، الملكة التي خلدها القرآن الكريم والتوراة والأساطير الشعبية.
ورغم شهرة القصة المتعلقة بزيارتها للنبي سليمان عليه السلام، إلا أن الأدلة الأثرية لم تثبت وجود شخصية محددة بهذا الاسم.
لكن النقوش السبئية تشير بوضوح إلى أن النساء شغلن مناصب سياسية مهمة، وأن وجود ملكة على العرش لم يكن أمرًا غريبًا.

قد تكون بلقيس شخصية حقيقية اكتسبت أبعادًا أسطورية، أو ربما رمزًا لعدة ملكات حكمن سبأ. لكنها – أياً كانت – تعكس رقي المملكة من حيث الحكم، والدبلوماسية، والازدهار.


اقتصاد اللبان والتوابل… سر الثراء 

كانت التجارة أساس القوة الاقتصادية لسبأ. فقد سيطرت المملكة على تجارة اللبان والبخور والمر، تلك السلع الثمينة التي كانت تُباع بأسعار تفوق الذهب.
وكانت الإمبراطوريات الكبرى – كالرومان والفرس والمصريين – تعتمد عليها في الطقوس الدينية والتحنيط والطب.

لم يكتفِ السبئيون بدور الوسطاء فقط، بل احتكروا الإنتاج أيضًا، وروّجوا أساطير عن "ثعابين تحرس أشجار اللبان" لمنع الآخرين من معرفة مصادرها.

وكانت القوافل التجارية تنطلق من مأرب عبر طريق البخور، تمر بمكة ويثرب والبتراء حتى تصل إلى بلاد الشام والبحر المتوسط، ما جعل سبأ مركزًا اقتصاديًا عالميًا.


سد مأرب… المعجزة التي روّضت الصحراء 

إذا كانت التجارة شريان سبأ الاقتصادي، فإن الزراعة كانت أساس استقرارها الاجتماعي. ولأن المنطقة شبه صحراوية، احتاجت لحل هندسي عبقري.

هنا ظهر سد مأرب، أحد أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ البشر.
بُني السد في القرن الثامن قبل الميلاد عند مخرج وادي أذنة، بطول يقارب 600 متر وارتفاع 15 مترًا.
لكن العبقرية لم تكن في الحجم فقط، بل في نظام الري المعقد المكوّن من قنوات رئيسية وثانوية تروي آلاف الهكتارات من الأراضي.

هذا المشروع لم يغيّر طبيعة الأرض فقط، بل عزز وحدة المجتمع وشرعية الملوك الذين نجحوا في تنظيمه وصيانته.


الدين والثقافة في سبأ

عبد السبئيون آلهة متعددة، أبرزها المقه، إله القمر. وقد شيّدوا له معابد ضخمة، أهمها معبد صرواح قرب مأرب.

أما النقوش المكتوبة بالمسند، فتدل على مجتمع يقدّر المعرفة، ويدوّن الأحداث بدقة:
القوانين، المعاملات التجارية، الطقوس الدينية، الانتصارات العسكرية… كل شيء دُوّن على الحجر.

وكان المجتمع طبقيًا لكنه أقل حدة من غيره، حيث تمتّع حتى العبيد ببعض الحقوق القانونية.


بداية السقوط 

لا توجد حضارة عظيمة إلا وتحمل داخلها بذور زوالها. وقد بدأت مشاكل سبأ منذ القرن الأول الميلادي:

1. تغيّر طرق التجارة

انتقال التجارة إلى الطريق البحري عبر البحر الأحمر قلل أهمية طريق البخور البري، ما أثر بشكل مباشر على اقتصاد سبأ.

2. صعود مملكة حِمْيَر

الحروب بين المملكتين استنزفت الموارد المالية والبشرية.

3. إهمال سد مأرب

الصيانة كانت تحتاج إلى إدارة قوية وموارد كبيرة. ومع ضعف السلطة، أهمل السد تدريجيًا.


الانهيار الكبير: سيل العَرِم

في حوالي عام 570 ميلادية، وقع الانهيار الذي غيّر تاريخ اليمن.
انهار سد مأرب بعد سلسلة من التصدعات والفيضانات، وتحول وادي مأرب إلى طوفان مدمر، فاختفت المزارع والقنوات وانهارت الحياة الزراعية.

جاء ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم، في سورة سبأ، حيث وصفها الله بـ "سَيْلِ الْعَرِمِ".

أدى هذا الانهيار إلى هجرة كبرى للقبائل السبئية إلى أنحاء الجزيرة، وصولًا إلى الشام والعراق.
ومن أشهر تلك القبائل: الأوس والخزرج الذين استقروا في يثرب، وغسان التي اتجهت إلى الشام.


دروس من تحت الأنقاض

سقوط سبأ لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات:
إهمال البنية التحتية، تراجع الاقتصاد، النزاعات الداخلية، وضعف المؤسسات… كلها عوامل قادت إلى النهاية.

هذه الدروس ليست موجهة للماضي فقط، بل للحاضر أيضًا؛ إذ تُذكّرنا بأن الحضارات تُبنى بالصبر والتنظيم، لكنها قد تنهار بالإهمال والفساد والتفكك.


سبأ اليوم… حجارة تحكي

رغم الظروف الصعبة في اليمن، لا تزال آثار سبأ – معبد المقه، وأعمدة بران، وبقايا السد – شاهدة على حضارة عظيمة.
وقد ساهمت بعثات أثرية من جامعات عالمية مثل جامعة بون والمعهد الألماني للآثار في كشف الكثير من تفاصيل هذه الحضارة.

لكن الحروب الأخيرة عرضت أجزاء من التراث السبئي للخطر، وهو ما يُعد خسارة للإنسانية بأكملها.


خاتمة: حين يصمت الحجر

مملكة سبأ ليست مجرد فصل في التاريخ، بل قصة بشرية عن الإبداع والإرادة، عن الطموح والانهيار.
عندما تنظر إلى نقش عمره ألفا عام، تتذكر أن هناك إنسانًا عاش وحلم مثلنا تمامًا، لكنه رحل وبقي أثره.

قد تسقط الحضارات، لكن قصصها تبقى.
وسبأ — رغم نهايتها — ما تزال تحكي، وما تزال حجارتها تصرخ بعظمة الماضي.


المصادر والمراجع

  • المعهد الألماني للآثار (DAI) – مشاريع التنقيب في مأرب

  • متحف اللوفر – قسم الآثار الشرقية

  • Kenneth A. Kitchen – Documentation for Ancient Arabia

  • جامعة صنعاء – مركز الدراسات اليمنية

  • القرآن الكريم – سورة سبأ (15–16)

  • Jean-François Breton – Arabia Felix

  • اليونسكو – تقارير التراث اليمني