تحليل الاتفاقية الدفاعية السعودية – باكستان النووية وتأثيرها على أمن الشرق الأوسط
الاتفاقية الدفاعية السعودية-الباكستانية النووية وتأثيرها على أمن الشرق الأوسط
يوم 17 سبتمبر 2025، شهدت الرياض حدثًا يمكن أن نصفه بالتاريخي دون مبالغة. وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ما يُعرف بـ"اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك". ليس مجرد اتفاق عسكري عابر، بل خطوة غيّرت – أو ربما ستغيّر – وجه الأمن الإقليمي كما عرفناه.
عندما تصبح المظلة النووية واقعًا
البند الأهم في الاتفاقية بسيط وصادم في آن: أي عدوان على أحد البلدين يُعتبر عدوانًا على كليهما.
هذا ليس مجرد كلام سياسي معسول. بعد يومين فقط من التوقيع، أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن قدرات بلاده النووية "ستكون متاحة بشكل مطلق" في إطار هذه الاتفاقية. ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول سعودي كبير قوله بوضوح: "هذه اتفاقية دفاعية شاملة تشمل جميع الوسائل العسكرية".
باكستان تمتلك حوالي 170 رأسًا نوويًا. وهي الدولة الإسلامية الوحيدة – في العالم بأسره – التي تمتلك هذه القدرة. والآن، أصبحت السعودية بشكل غير مباشر تحت مظلة هذا الردع النووي.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس صدفة أبدًا في السياسة.
قبل أسبوع واحد من توقيع الاتفاقية، نفّذت إسرائيل هجومًا جويًا استهدف قادة حماس في الدوحة. قطر، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وصاحبة واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم. لكن الولايات المتحدة لم تحرّك ساكنًا.
هذا الصمت الأمريكي خلق موجة قلق عميقة في العواصم الخليجية: إذا كانت قطر، بكل ما تمثله من قيمة استراتيجية لأمريكا، يمكن أن تُضرب هكذا... فماذا عن البقية؟
أضف إلى ذلك التصعيد المستمر في المنطقة: الحرب في غزة، هجمات الحوثيين، التوتر مع إيران، والتهديدات الإسرائيلية المتكررة. كل ذلك دفع الرياض إلى إعادة حساباتها الأمنية بشكل جذري.
خريطة جديدة للردع الإقليمي
لعقود، كانت إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. سرٌّ معلن، لا تعترف به تل أبيب رسميًا، لكنه حقيقة واقعة يعرفها الجميع.
هذا الاحتكار النووي منح إسرائيل هامشًا استراتيجيًا واسعًا للتحرك. كانت تعلم أن لا أحد في المنطقة يملك القدرة على الرد النووي.
الآن، الوضع مختلف.
السعودية لم تطوّر قنبلة نووية خاصة بها، وهي ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي. لكنها في الواقع حصلت على شيء أسرع وأقل تكلفة: مظلة نووية جاهزة من باكستان.
ماذا يعني هذا لإسرائيل؟
باحث إسرائيلي، د. يوئيل غوزانسكي، كتب في صحيفة يديعوت أحرونوت أن الاتفاقية ترسل "إشارات مباشرة لإسرائيل".
التحالف السعودي-الباكستاني يعني أن الرياض لم تعد معزولة. وأن أي تفكير إسرائيلي في استهداف السعودية – كما حدث مع قطر – سيكون له ثمن أكبر بكثير.
طبعًا، المسؤولون السعوديون والباكستانيون يؤكدون أن الاتفاقية "دفاعية بحتة" وليست موجهة ضد أي دولة بعينها. لكن الجميع يفهم الرسالة الضمنية.
إيران: قلقٌ مشروع
إيران، الجار الإقليمي لباكستان والخصم التقليدي للسعودية، تراقب الوضع عن كثب.
طهران تحاول منذ عقود تطوير برنامج نووي، وتواجه عقوبات دولية قاسية بسبب ذلك. والآن، تجد أن السعودية حصلت على ردع نووي جاهز دون أن تنتهك أي معاهدة دولية.
الاتفاقية قد تحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، وتضع طهران أمام معادلة جديدة: أي تصعيد مع السعودية قد يعني مواجهة مع باكستان أيضًا. وباكستان ليست دولة عادية.
الهند: موازنات دقيقة
الهند، العدو التاريخي لباكستان، أعلنت أنها "تراقب التطورات عن كثب".
خاض البلدان أربع حروب كبرى منذ الاستقلال عام 1947. وآخر مواجهة عسكرية كانت في مايو 2025، عندما أسقطت المقاتلات الباكستانية طائرات هندية.
الآن، أصبحت السعودية – وهي شريك اقتصادي مهم للهند – في تحالف دفاعي رسمي مع باكستان. هذا يضع نيودلهي في موقف حرج. لكن السعودية تمتلك علاقات اقتصادية قوية جدًا مع الهند، وقد تستطيع لعب دور الوسيط بين الجارتين النوويتين.
واشنطن: الحليف الذي لم يعد كافيًا
لعقود طويلة، كانت السعودية تعتمد بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة كضامن أمني. قواعد أمريكية، أسلحة أمريكية، مظلة أمنية أمريكية.
لكن هذه المرة، الرياض قررت التنويع.
محللون يرون أن الاتفاقية تعكس "تراجع الثقة" في الأمن الذي توفره واشنطن. وأن السعودية تبحث عن بدائل استراتيجية. حسن الحسن، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، قال: "من وجهة نظر السعودية، الهدف من الاتفاقية هو سد العجز في الردع الاستراتيجي والتقليدي في مواجهة إسرائيل المسلحة نوويًا".
لم يُعلن عن أي تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاقية. وزير الدفاع الباكستاني نفى حتى وجود أي "مبرر لإطلاع طرف ثالث".
التكامل العسكري: المال والخبرة
السعودية تمتلك واحدة من أضخم الميزانيات الدفاعية في العالم. أسلحة متطورة، طائرات حديثة، أنظمة دفاع جوي من الطراز الأول. لكنها تفتقر إلى العمق العسكري التقليدي والخبرة القتالية.
من الجهة الأخرى، باكستان تمتلك جيشًا يُصنف في المرتبة 12 عالميًا. حوالي 650 ألف جندي نظامي، خبرة قتالية واسعة، قاعدة صناعية عسكرية محلية، وصواريخ أرض-أرض متوسطة وبعيدة المدى.
التزاوج بين المال والتقنية السعودية من جهة، والخبرة والقدرات الباكستانية من جهة أخرى، يشكّل مزيجًا قويًا. ما بين 1500 و2000 جندي باكستاني موجودون بالفعل في السعودية منذ سنوات، يقدمون التدريب والدعم التقني.
الآن، هذا التعاون أصبح رسميًا ومؤسسيًا.
هل هو تحالف إسلامي نووي؟
وزير الدفاع الباكستاني تحدث عن إمكانية انضمام دول عربية أخرى إلى الاتفاقية. وقال إن "الأبواب مفتوحة"، وإنه يتمنى قيام تحالف إسلامي شبيه بحلف الناتو.
هذا الكلام ليس مجرد طموح خطابي.
إذا انضمت دول خليجية أخرى – مثل الإمارات أو الكويت أو قطر – إلى هذه الاتفاقية، فقد نشهد ولادة أول تحالف دفاعي إسلامي حقيقي ذي بُعد نووي.
بالطبع، هذا سيناريو معقد ومحفوف بالتحديات السياسية والدبلوماسية. لكن مجرد طرحه يعكس حجم التحول الاستراتيجي الذي نشهده.
التحديات والمخاطر
لكن ليس كل شيء ورديًا.
أولًا، باكستان نفسها تعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة. ديونها تبلغ حوالي 87 مليار دولار. وهي بحاجة ماسة للدعم المالي السعودي. السعودية أقرضت باكستان 3 مليارات دولار في اتفاق تم تمديده لدعم احتياطياتها من النقد الأجنبي.
هذا يثير تساؤلًا: هل التزام باكستان العسكري تجاه السعودية حقيقي، أم أنه مجرد صفقة اقتصادية؟ البعض يذكّر بأن باكستان رفضت إرسال جنود إلى اليمن عند بدء الحرب ضد الحوثيين. لكن آنذاك لم يكن هناك اتفاق دفاع مشترك.
ثانيًا، هناك تحدي الربط التقني. كيف ستنسّق القوات السعودية والباكستانية عملياتها؟ أنظمة الاتصالات، البروتوكولات العسكرية، الأسلحة... كل ذلك يحتاج إلى توحيد وتكامل.
ثالثًا، الموقف الأمريكي. واشنطن لم تعلّق رسميًا حتى الآن، لكن من غير المرجح أن تكون سعيدة بهذا التطور. خاصة إذا كان يعني نقل تقنيات صاروخية باليستية متقدمة إلى السعودية.
نظرة شخصية
أعتقد أن هذه الاتفاقية نقطة تحول حقيقية.
ليس بالضرورة في المدى القصير – فالحروب لا تندلع بهذه السهولة. لكن على المدى المتوسط والبعيد، نحن أمام إعادة تشكيل لخريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
السعودية تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد فقط على واشنطن. وهي تبحث عن أدوات ردع حقيقية في مواجهة تهديدات متعددة. باكستان، بكل تعقيداتها، توفّر هذا الردع.
بالطبع، الشيطان يكمن في التفاصيل. كيف ستطبق الاتفاقية على أرض الواقع؟ ما حدود التزام باكستان؟ وماذا لو تعرضت السعودية لهجوم فعلي – هل ستستخدم باكستان فعلًا أسلحتها النووية؟
هذه أسئلة لا أحد يملك إجابات نهائية عنها. لكن مجرد وجود هذا الغموض الاستراتيجي هو في حد ذاته أداة ردع.
الخلاصة
في 17 سبتمبر 2025، دخلت المنطقة مرحلة جديدة.
مرحلة لم تعد فيها إسرائيل القوة النووية الوحيدة. مرحلة تتراجع فيها الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية. مرحلة تبحث فيها دول الخليج عن بدائل استراتيجية حقيقية.
الاتفاقية السعودية-الباكستانية ليست مجرد توقيع على ورقة. إنها رسالة واضحة لكل اللاعبين الإقليميين: السعودية لم تعد وحيدة، ولديها الآن شريك يمتلك قدرات نووية.
هل سيغير ذلك قواعد اللعبة فعلًا؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكن شيئًا واحدًا مؤكد: المنطقة لن تكون كما كانت.
المصادر
- وكالة الأنباء السعودية (واس)
- وكالة رويترز
- صحيفة الشرق الأوسط
- قناة الجزيرة
- صحيفة يديعوت أحرونوت (إسرائيل)
- المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، لندن
- موقع France 24 العربي
- موقع RT العربي
- موقع Breaking Defense
- جامعة نايف للعلوم الأمنية، السعودية
- البيت الخليجي للدراسات والنشر