لماذا ننجذب للأشخاص الغامضين؟ تفسير علمي
لماذا ننجذب للأشخاص الغامضين؟ تفسير علمي
كنت أجلس في مقهى صغير الأسبوع الماضي، أراقب شخصًا يجلس في الزاوية البعيدة. لم يكن يفعل شيئًا استثنائيًا، فقط يقرأ كتابًا ويحتسي قهوته ببطء. لكن كان هناك شيء ما يجذب الانتباه إليه. ربما لأنه لم ينظر إلى هاتفه ولو مرة، أو لأن ابتسامة خفيفة ظلت تعلو وجهه دون سبب واضح. غادر بعد ساعة، ولم أعرف عنه شيئًا. لكنني وجدت نفسي أفكر فيه طوال اليوم.
هذا بالضبط ما يفعله الغموض بنا. يشعل فضولنا، ويجعلنا نريد أن نعرف أكثر، حتى لو لم يكن هناك سبب منطقي لذلك.
![]()
عقولنا مصممة للبحث عن الإجابات
الدماغ البشري آلة ضخمة لحل الألغاز. عندما نواجه موقفًا غير مكتمل أو شخصًا لا نستطيع "قراءته" بسهولة، تُطلق أدمغتنا إشارات تحفيزية قوية. هذه الإشارات مدفوعة بناقل عصبي يُسمى الدوبامين، الذي يرتبط عادة بالمكافأة والسعادة، لكنه يُفرز أيضًا في حالات التوقع والترقب.
حين نقابل شخصًا واضحًا تمامًا، يفصح عن كل شيء في اللقاء الأول، يشعر دماغنا بأنه حصل على الإجابة. اللغز انتهى. لا مزيد من الدوبامين. أما الشخص الغامض، فهو لغز مستمر، مصدر دائم للتساؤلات. وهذا يبقي دماغنا في حالة نشاط وترقب مستمرين.
في دراسة أجريها باحثون من جامعة هارفارد عام 2011، وجدوا أن الأشخاص يشعرون بانجذاب أكبر تجاه من يُظهرون اهتمامًا غامضًا بهم، مقارنة بمن يُظهرون اهتمامًا واضحًا وصريحًا. السبب؟ حالة عدم اليقين هذه تجعلنا نفكر في الشخص الآخر أكثر، مما يعمق الارتباط العاطفي دون أن ندرك.
الغموض يخلق مساحة للخيال
أحد أقوى جوانب الانجذاب للأشخاص الغامضين هو أنهم يمنحوننا مساحة لنملأ الفراغات بأنفسنا. عندما لا نعرف كل شيء عن شخص ما، يبدأ خيالنا بالعمل. نبدأ في تصور من يكون، ماذا يحب، كيف يفكر.
وهنا تكمن المشكلة الجميلة: نحن نميل لأن نملأ هذه الفراغات بصفات إيجابية. نتخيل الشخص أكثر إثارة، أكثر ذكاءً، أكثر عمقًا مما قد يكون عليه في الواقع. نصنع نسخة مثالية في أذهاننا، ثم ننجذب لهذه النسخة.
شاهدت صديقتي تمر بهذا الأمر بالضبط. تعرفت على شخص في معرض فني، تبادلا بضع كلمات عابرة، لكنه لم يطلب رقمها ولم يحاول التواصل معها بشكل مباشر. بقيت تفكر فيه لأسابيع، تتخيل حياته واهتماماته. وعندما التقته مجددًا بالصدفة واكتشفت أنه شخص عادي جدًا، شعرت بخيبة أمل. لم يكن سيئًا، لكنه لم يكن النسخة التي صنعتها في رأسها.
نظرية "الفجوة المعلوماتية"
الاقتصادي السلوكي جورج لوينشتاين طور نظرية تُسمى "نظرية الفجوة المعلوماتية" في التسعينيات. الفكرة بسيطة: عندما نشعر بوجود فجوة بين ما نعرفه وما نريد أن نعرفه، نشعر بألم نفسي خفيف. هذا الألم يدفعنا للبحث عن المعلومات المفقودة لسد الفجوة.
الأشخاص الغامضون يخلقون هذه الفجوة باستمرار. لا يكشفون عن كل شيء دفعة واحدة. يتركون أسئلة معلقة. يبتسمون دون أن يشرحوا لماذا. يغادرون قبل أن تنتهي المحادثة بشكل طبيعي.
وهذا يجعلنا نريد المزيد. نريد أن نملأ تلك الفجوات. نريد أن نفهم. وكلما حاولنا ولم ننجح، زاد الفضول وزاد الانجذاب.
مبدأ الندرة النفسية
في علم النفس الاجتماعي، هناك مبدأ يُسمى "الندرة". ببساطة، الأشياء النادرة أو الصعبة الحصول عليها تبدو أكثر قيمة. ينطبق هذا على الوقت، على الأشياء المادية، وبالتأكيد على الأشخاص.
الشخص الغامض نادر بطبيعته. لا يمنحك كل انتباهه. لا يجيب على كل أسئلتك. لا يتواجد دائمًا عندما تحتاجه. هذه الندرة تجعله يبدو أكثر قيمة في عقلك اللاواعي.
فكر في الأمر بهذه الطريقة: إذا كان شخص ما متاحًا دائمًا، يرد على رسائلك فورًا، يخبرك بكل تفاصيل يومه، فأنت تشعر بالأمان. تعرف أين تقف. لكن هذا الأمان يأتي على حساب الإثارة. أما الشخص الذي يظهر ويختفي، يتواصل بشكل متقطع، يحتفظ ببعض الأسرار، فهو يخلق حالة من عدم اليقين. وعدم اليقين، رغم أنه مزعج، إلا أنه مثير للغاية.
الغموض والجاذبية التطورية
من منظور تطوري، قد يكون هناك تفسير أعمق. أجدادنا الأوائل كانوا يعيشون في بيئات مليئة بالمخاطر وعدم اليقين. القدرة على قراءة الآخرين، التنبؤ بسلوكهم، وفهم نواياهم كانت مسألة بقاء.
الشخص الذي لا يمكن قراءته بسهولة يمثل تحديًا. ربما كان خطرًا، أو ربما كان يخفي موارد أو معلومات قيمة. في كلتا الحالتين، كان من المهم الانتباه إليه، محاولة فهمه، والبقاء يقظًا في حضوره.
هذه الغريزة القديمة ما زالت معنا. عندما نقابل شخصًا غامضًا، يتم تفعيل جزء من دماغنا البدائي يقول: "انتبه. هذا الشخص مهم. حاول أن تفهمه."
لكن في العصر الحديث، هذه الغريزة لم تعد دائمًا في صالحنا. في بعض الأحيان، الشخص الغامض ليس عميقًا أو مثيرًا للاهتمام، بل ببساطة غير مهتم أو عاطفيًا غير متاح.
عندما يصبح الغموض لعبة
للأسف، بعض الناس يستخدمون الغموض كاستراتيجية متعمدة. يعرفون أن عدم الرد السريع، الإجابات المبهمة، والمسافة العاطفية تخلق جاذبية. فيستخدمون هذه الأساليب للسيطرة على العلاقة.
هناك فرق كبير بين الشخص الغامض بطبيعته والشخص الذي يلعب لعبة. الأول يحمي خصوصيته لأنه يحتاج إلى مساحة شخصية، أو لأنه ببساطة انطوائي ولا يحب مشاركة كل شيء. الثاني يتلاعب بك عمدًا لإبقائك معلقًا.
كيف تفرق بينهما؟
الشخص الغامض الصادق سيكون متسقًا في سلوكه. لن يكون غامضًا فقط عندما يريد اهتمامك، ثم واضحًا تمامًا عندما يحتاج شيئًا منك. سيحترم حدودك كما يحترم حدوده الخاصة. وسيكون هناك عمق حقيقي وراء ذلك الغموض، وليس فقط واجهة فارغة.
المتلاعب سيستخدم الغموض كسلاح. سيقربك ثم يبعدك. سيجيب عليك بحماس ثم يختفي لأيام. سيجعلك تشعر بأنك مميز، ثم يتركك تتساءل إن كنت مهمًا بالأصل.
الجانب المظلم للانجذاب إلى الغموض
الحقيقة التي لا يحب أحد الاعتراف بها: في بعض الأحيان، ننجذب للغموض ليس لأن الشخص مثير للاهتمام، بل لأننا نهرب من شيء ما في أنفسنا.
ربما نهرب من الألفة، لأنها تتطلب ضعفًا حقيقيًا. ربما نهرب من الالتزام، لأن الشخص الواضح والصريح يتطلب قرارًا. ربما نهرب من أنفسنا، ونستخدم لغز شخص آخر لنتجنب مواجهة ألغازنا الخاصة.
شخصيًا، مررت بمرحلة كنت أنجذب فيها فقط للأشخاص المعقدين والغامضين. كنت أقنع نفسي بأن هذا يعني أنني عميقة وأحب التحديات. لكن مع الوقت، أدركت أنني كنت أستخدم هذا الغموض كعذر لعدم الالتزام الحقيقي. طالما أن الشخص لغز، يمكنني أن أبقى على مسافة. لا أضطر لأن أكون ضعيفة، لأن الشخص نفسه غير متاح عاطفيًا.
دراسات علمية حول الموضوع
أجرى باحثون من جامعة فيرجينيا دراسة مثيرة نُشرت في مجلة Psychological Science. عرضوا على مشاركات في الدراسة ملفات شخصية لرجال على موقع تواصل اجتماعي وهمي. بعض الملفات أظهرت أن الرجال أعجبوا بملف المشاركة كثيرًا، وبعضها أظهر إعجابًا متوسطًا، وبعضها كان غامضًا - لم يكن واضحًا مدى إعجابهم.
النتيجة؟ النساء شعرن بانجذاب أكبر تجاه الرجال الذين كان مستوى اهتمامهم غامضًا. السبب، وفقًا للباحثين، أن هذا الغموض جعلهن يفكرن في هؤلاء الرجال أكثر، مما عمق الارتباط العاطفي.
في دراسة أخرى من جامعة روتشستر، وجد الباحثون أن المشاركين يشعرون بانجذاب أكبر للأشخاص الذين يصعب "قراءتهم" عاطفيًا. الوجوه التي تحمل تعبيرات مبهمة أو مختلطة كانت أكثر جاذبية من الوجوه ذات التعبيرات الواضحة تمامًا.
وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية: عقولنا تحب التحدي. نحن لا ننجذب للسهل والواضح بقدر ما ننجذب لما يتطلب جهدًا لفهمه.
متى يصبح الغموض صحيًا؟
ليس كل الغموض سيئًا. في الواقع، درجة معينة من الغموض ضرورية لعلاقة صحية. الأشخاص الذين يحتفظون ببعض الخصوصية، الذين لديهم حياتهم المستقلة واهتماماتهم الخاصة، غالبًا ما يكونون شركاء أفضل على المدى الطويل.
الغموض الصحي يعني:
- الاحتفاظ ببعض المساحة الشخصية
- عدم الحاجة لمشاركة كل تفصيل صغير
- وجود اهتمامات وأصدقاء خارج العلاقة
- القدرة على المفاجأة والاستمرار في النمو
الغموض غير الصحي يعني:
- التلاعب المتعمد بالمشاعر
- الاختفاء والظهور بشكل متقلب
- رفض التواصل الحقيقي
- استخدام الغموض لتجنب الضعف والقرب
كيف نتعامل مع انجذابنا للغموض؟
إذا وجدت نفسك تنجذب دائمًا للأشخاص الغامضين، فربما حان الوقت لطرح بعض الأسئلة على نفسك:
هل أنت تهرب من شيء ما؟ ربما الألفة الحقيقية تخيفك. ربما الوضوح يتطلب قرارات لست مستعدًا لاتخاذها.
هل تقدر الإثارة أكثر من الاستقرار؟ لا بأس بذلك، طالما أنك صادق مع نفسك. لكن اعلم أن العلاقات المبنية على الغموض وحده نادرًا ما تدوم.
هل تستحق المطاردة؟ في بعض الأحيان، نستثمر كل طاقتنا في محاولة فهم شخص غامض، وننسى أن نسأل: هل هذا الشخص يستحق حقًا كل هذا الجهد؟
من المهم أن ندرك أن الانجذاب للغموض غريزة طبيعية، لكنها ليست دليلًا على التوافق أو العمق الحقيقي. في بعض الأحيان، الشخص الواضح، الصادق، المتاح عاطفيًا هو الاختيار الأكثر شجاعة - لأنه يتطلب منا أن نكون نحن أيضًا واضحين وصادقين ومتاحين.
الخلاصة
ننجذب للأشخاص الغامضين لأن أدمغتنا مصممة لحل الألغاز، ولأن الغموض يخلق مساحة للخيال، ولأن الندرة تزيد من القيمة المدركة. هذا الانجذاب متجذر في علم الأعصاب، في نظريات علم النفس، وربما حتى في غرائزنا التطورية.
لكن من المهم أن نميز بين الغموض الصحي والتلاعب، بين العمق الحقيقي والواجهة الفارغة. الغموض يمكن أن يكون جذابًا، لكنه لا يكفي لبناء علاقة حقيقية.
في النهاية، ربما أكثر ما نحتاجه ليس شخصًا غامضًا، بل شخصًا يجعلنا نرغب في الكشف عن أنفسنا. شخصًا نشعر معه بالأمان الكافي لنكون ضعفاء، بينما نحتفظ بالإثارة الكافية لنبقى فضوليين تجاه بعضنا البعض.
الغموض الحقيقي ليس في الإخفاء، بل في العمق المستمر. في الاكتشاف الذي لا ينتهي لطبقات جديدة، حتى بعد سنوات من المعرفة.
المصادر:
- Norton, M. I., Frost, J. H., & Ariely, D. (2007). "Less is more: The lure of ambiguity, or why familiarity breeds contempt." Journal of Personality and Social Psychology, 92(1), 97-105.
- Whitchurch, E. R., Wilson, T. D., & Gilbert, D. T. (2011). "He loves me, he loves me not...: Uncertainty can increase romantic attraction." Psychological Science, 22(2), 172-175.
- Loewenstein, G. (1994). "The psychology of curiosity: A review and reinterpretation." Psychological Bulletin, 116(1), 75-98.
- Cialdini, R. B. (2006). "Influence: The Psychology of Persuasion." Harper Business - قسم مبدأ الندرة.
- Berscheid, E., & Regan, P. (2005). "The Psychology of Interpersonal Relationships." Pearson Education - فصل عن الجاذبية والغموض.
- Fisher, H. E., Aron, A., & Brown, L. L. (2006). "Romantic love: A mammalian brain system for mate choice." Philosophical Transactions of the Royal Society B, 361(1476), 2173-2186.
- جمعية علم النفس الأمريكية (APA) - مقالات متعددة حول الدوبامين والتحفيز والانجذاب الرومنسي