لماذا أصبحت السنة تمر كأنها شهر؟
لماذا أصبحت السنة تمر كأنها شهر؟
كنت أتحدث مع صديق قبل أيام، وفجأة قال لي:
"أتصدق أننا في نوفمبر؟ كأن السنة بدأت البارحة!"
ابتسمت له، لأنني كنت أفكر في نفس الشيء بالضبط. هذا الإحساس بأن الوقت يهرب من بين أصابعنا لم يعد مجرد انطباع شخصي، بل أصبح ظاهرة يشكو منها الملايين حول العالم.
تذكر طفولتك عندما كانت عطلة الصيف تبدو وكأنها لا تنتهي؟ كل يوم كان مليئًا بالمغامرات والاكتشافات. الآن، تمر الأشهر كأنها أسابيع، والسنوات كأنها أشهر. فما الذي تغير؟ هل الزمن نفسه أصبح أسرع، أم أننا تغيرنا نحن؟
العمر والإدراك: معادلة رياضية بسيطة ومخيفة
عندما كنت بعمر عشر سنوات، كانت السنة تمثل 10٪ من حياتك. ضخمة جدًا، أليس كذلك؟
عند الأربعين، السنة نفسها تصبح 2.5٪ من حياتك. رياضيًا، أصبحت أصغر أربع مرات بالنسبة لعمرك الكلي.
العالم الفرنسي بول جانيت وضع هذه النظرية في القرن التاسع عشر، وأطلق عليها اسم "قانون جانيت"، وطوّرها لاحقًا ابن أخيه الفيلسوف بيير جانيت. الفكرة الأساسية: نحن نقيس الوقت نسبيًا، وليس مطلقًا.
يمكنك تشبيهها بقطعة بيتزا: عندما تكون البيتزا كاملة، قطعة واحدة صغيرة. لكن لو بقيت قطعتان فقط، نفس القطعة تبدو أكبر. دماغنا يتعامل مع الوقت بنفس الطريقة.
الروتين: القاتل الصامت للوقت
في الطفولة، كل شيء جديد: أول يوم في المدرسة، أول رحلة عائلية، أول تجربة طعام جديدة. الدماغ يسجل هذه التجارب بدقة.
مع التكرار، يبدأ الدماغ بالاختصار: استيقظ، قهوة، استحمام، عمل، نفس المكتب، نفس الطريق، نوم… تتكرر نفس الأنشطة، فتضيع التفاصيل، ويبدو الوقت وكأنه يمر بسرعة البرق.
العلم يتكلم: ما يقوله الباحثون
ديفيد إيجلمان، عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد، اكتشف أن الدماغ لا يسجل الوقت خطيًا، بل يعتمد على كمية المعلومات الجديدة التي نعالجها.
في تجربة القفز من ارتفاع، شعر المشاركون أن الوقت تباطأ، لأن الدماغ في حالة خطر يسجل تفاصيل أكثر بكثير.
دراسة أخرى في جامعة ديوك أظهرت أن الشبكات العصبية تصبح أبطأ مع التقدم بالعمر، مما يجعلنا نشعر بأن الوقت يمر أسرع.
الذاكرة ليست فيديو مسجّل
الذاكرة انتقائية. كلوديا هاموند، في كتابها Time Warped، تشرح أن الدماغ يحتفظ بما هو "مهم": الأحداث العاطفية والمفاجآت واللحظات المشحونة بالمشاعر تُحفظ، بينما الروتين اليومي يُمحى تقريبًا.
لهذا، تبدو السنوات المليئة بالروتين وكأنها اختفت، بينما تجربة أسبوع واحد جديدة قد تبدو أطول بكثير في الذاكرة.
التكنولوجيا: جزء من المشكلة
كم مرة فتحت هاتفك اليوم؟ عشرين؟ خمسين؟
التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي تخلق تشتتًا دائمًا. نحن نتنقل بين التطبيقات بسرعة، لكن لا نعيش اللحظة بعمق.
البروفيسور آدم ألتر يصف هذا بـ"الوقت الميت": ساعات أمام الشاشات دون ذكريات حقيقية.
الضغوط الحديثة: نركض دون أن نعرف إلى أين
الحياة اليوم سريعة للغاية: الردود الفورية، التسليم السريع، الأخبار العاجلة. هذا يجعلنا نعيش في الطيار الآلي: نؤدي مهامنا ميكانيكيًا، وننسى العيش الفعلي.
كيف نسترجع الوقت؟ استراتيجيات عملية
-
اكسر الروتين بانتظام: طرق جديدة للعمل، أطعمة جديدة، كتب مختلفة، مهارات جديدة.
-
عِش اللحظة الحالية: ركّز على الطعام، على الحوار، على المشي. الوعي اللحظي يزيد من ذكرياتك.
-
قلل وقت الشاشات: ساعة يوميًا بعيدًا عن الهاتف، وستشعر بأن الوقت أطول.
-
اصنع لحظات لا تُنسى: رحلات قصيرة، لقاءات مع أصدقاء، تجارب جديدة.
-
تعلم من الأطفال: انتبه لتفاصيل الحياة الصغيرة، استعد دهشة الطفولة.
في النهاية: الوقت يمر، لكن الخيار لنا
الثانية ما زالت ثانية واليوم ما زال 24 ساعة. ما تغير هو علاقتنا بالزمن. الشعور بأن الوقت يمر بسرعة رسالة من عقلنا: "أنت لا تعيش حقًا، أنت فقط تمر عبر الأيام".
المفتاح: الانتباه، خلق ذكريات حقيقية، العيش بعمق. مجرد محاولة يومية قد تكون كل ما نحتاجه لاستعادة السيطرة على تجربتنا مع الزمن.
المصادر والمراجع
-
جامعة ستانفورد - أبحاث ديفيد إيجلمان حول إدراك الزمن في علم الأعصاب
-
جامعة ديوك الأمريكية - الشبكات العصبية وعلاقتها بإدراك الوقت
-
Time Warped: Unlocking the Mysteries of Time Perception - كلوديا هاموند
-
جامعة نيويورك - تأثير التكنولوجيا على إدراك الوقت (آدم ألتر)
-
نظرية بول جانيت وبيير جانيت حول الإدراك النسبي للزمن
-
المجلة الأمريكية لعلم النفس (American Journal of Psychology)
-
معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) - تأثير الروتين على الذاكرة طويلة المدى