لماذا صار الشعر النبطي لسان الخليج؟
لماذا صار الشعر النبطي لسان الخليج؟
حين تجلس في مجلس خليجي، أو تستمع لإذاعة محلية، أو حتى تتابع حسابات التواصل الاجتماعي، ستلاحظ شيئًا لافتًا: الشعر النبطي في كل مكان. ليس مجرد تراث قديم يُحفظ في الكتب، بل هو حاضر حي ينبض في حفلات الأعراس، في المناسبات الوطنية، في المنافسات التلفزيونية، وحتى في التعليقات اليومية بين الناس.
البعض يسميه "الشعر الشعبي"، وآخرون يفضلون "الشعر النبطي"، لكن المؤكد أنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية الخليجية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الشكل بالذات من الشعر؟ لماذا لم يسيطر الشعر الفصيح وحده؟ وكيف استطاع النبطي أن يحافظ على مكانته رغم كل التحولات الحديثة؟
الإجابة ليست بسيطة، وهي تكشف الكثير عن طبيعة المجتمع الخليجي نفسه.
اللهجة: أقرب طريق إلى القلب
أول ما يميز الشعر النبطي هو أنه يُكتب ويُلقى باللهجة المحلية. وهنا المفتاح.
حين يستمع الخليجي لقصيدة نبطية، فهو لا يحتاج إلى قاموس أو شرح. الكلمات هي نفس الكلمات التي يستخدمها في حياته اليومية، المفردات التي تعلمها من جدته، التعابير التي سمعها في السوق، النبرة التي اعتاد عليها منذ الطفولة.
هذا يختلف كثيرًا عن الشعر الفصيح، الذي رغم جماله وعمقه، يحتاج أحيانًا إلى جهد ذهني لفهم بعض التراكيب أو المعاني. النبطي يدخل مباشرة، بلا حواجز، وكأن الشاعر يجلس أمامك ويحدثك بلغتك أنت.
وهذا ليس تقليلًا من شأن الفصحى، بل هو اعتراف بطبيعة التواصل الإنساني. نحن نشعر بالارتياح أكثر حين نُخاطَب بلغتنا الأم، بالطريقة التي نفكر بها فعليًا.
جذور ضاربة في البداوة
الخليج، قبل النفط وناطحات السحاب، كان مجتمعًا بدويًا بامتياز. الصحراء، القبائل، الترحال، الإبل، الخيام. وفي هذا المناخ، لم يكن الشعر ترفًا، بل كان ضرورة.
الشاعر في القبيلة كان له مكانة خاصة. هو من يمدح، يفخر، يهجو، يحفظ تاريخ القبيلة، ويدافع عن شرفها بالكلمة قبل السيف أحيانًا. والشعر النبطي، بإيقاعه الراقص وبحوره المميزة، كان الأداة المثالية لهذا الغرض.
بحر الهجيني مثلًا، بإيقاعه السريع، كان يُستخدم في الحداء وحين ركوب الإبل. والمسحوب، بنبرته العاطفية، كان لائقًا بالغزل والحنين. هذه البحور لم تُخترع اعتباطًا، بل نشأت من رحم البيئة الصحراوية وحاجاتها.
وحين استقرت القبائل، وتحولت الحياة من البداوة إلى الحضر، لم يمت الشعر النبطي. بل بالعكس، انتقل معهم، وتطور، وأصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية.
عصر النفط: تحول دون انقطاع
جاء النفط في منتصف القرن العشرين وقلب كل شيء. المدن نمت بسرعة مذهلة، التعليم انتشر، الناس تعرّفوا على ثقافات جديدة. كان من الممكن أن يؤدي هذا إلى اندثار التراث الشعبي، كما حدث في مناطق أخرى من العالم.
لكن ما حدث في الخليج كان مختلفًا.
الحكومات الخليجية، وخاصة في السعودية والإمارات والكويت، أدركت أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية وسط هذا التحول الهائل. فبدأت برامج لتوثيق الشعر النبطي، وتكريم الشعراء، وإقامة المهرجانات.
في السبعينيات والثمانينيات، ظهرت برامج إذاعية وتلفزيونية مخصصة للشعر الشعبي. ثم في التسعينيات، بدأت المسابقات الشعرية تأخذ طابعًا رسميًا ومؤسساتيًا. وفي الألفية الجديدة، جاء برنامج "شاعر المليون" ليحدث ثورة حقيقية.
هذه البرامج لم تحفظ الشعر النبطي فقط، بل جعلته عصريًا، جذابًا للأجيال الجديدة. شاب في العشرين من عمره، يعيش في دبي أو الرياض، ويستخدم آخر تقنيات العالم، صار يهتم بالشعر النبطي ويتابع مسابقاته كما يتابع مباريات كرة القدم.
المرونة: شعر لكل المواقف
ميزة أخرى للشعر النبطي هي مرونته الشديدة. هو ليس محصورًا في موضوع واحد أو مناسبة واحدة.
تريد أن تمدح؟ النبطي جاهز.
تريد أن تعبّر عن الحب؟ النبطي أفضل وسيلة.
تريد أن تهجو منافسًا؟ النبطي سلاح حاد.
حتى لو أردت الحكمة أو الفلسفة، ستجد قصائد نبطية عميقة تنافس أي شعر فصيح.
هذا التنوع جعله يدخل في كل تفاصيل الحياة الخليجية. في حفلات الزواج، يُلقى الشعر النبطي ترحيبًا بالضيوف. في المناسبات الوطنية، يُستخدم للتعبير عن الولاء والانتماء. وفي الجلسات الخاصة، يصبح وسيلة للتعبير عن المشاعر الشخصية.
بل حتى في الإعلانات التجارية! شركات كبرى في الخليج استخدمت أبيات شعر نبطي في حملاتها الدعائية، لأنها تعرف أنها ستصل مباشرة إلى قلب المستهلك الخليجي.
الجانب الاجتماعي: شعر الناس العاديين
نقطة مهمة غالبًا ما تُغفل: الشعر النبطي ليس حكرًا على النخبة.
في الشعر الفصيح التقليدي، كان الشعراء غالبًا من المتعلمين، من من درسوا اللغة والبلاغة. لكن الشعر النبطي كان أكثر ديمقراطية. رجل بسيط، راعي إبل، صياد، بحّار، كان يستطيع أن يقول شعرًا نبطيًا إذا امتلك الموهبة والحس.
هذا جعل الشعر النبطي شعر الجميع، وليس شعر الصفوة. وحين يشعر الناس أن شيئًا ما يخصهم، يحافظون عليه ويورثونه لأبنائهم.
أتذكر جدًا قصة سمعتها من صديق كويتي. جده، الذي لم يدخل مدرسة في حياته، كان يحفظ مئات الأبيات من الشعر النبطي، ويردد بيتًا مناسبًا في كل موقف. حين يأتي ضيف، عنده بيت. حين يغادر أحد، عنده بيت آخر. حين يُسأل عن رأيه في أمر ما، يجيب ببيت شعر.
هذا النوع من الاستخدام اليومي للشعر هو ما جعله حيًا وليس متحفيًا.
التقنية: النبطي في العصر الرقمي
مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كان هناك تساؤل: هل سيستمر الشعر النبطي في جذب الأجيال الجديدة؟
الإجابة كانت نعم مدوية.
اليوم، إذا دخلت على تويتر (X) أو سناب شات أو إنستغرام في دول الخليج، ستجد حسابات متخصصة في نشر الشعر النبطي، بعضها يملك ملايين المتابعين. هناك تطبيقات كاملة مخصصة لكتابة ونشر القصائد النبطية. حتى يوتيوب أصبح مليئًا بقنوات تعرض قصائد مسجلة أو مصورة.
بل الأكثر من ذلك، ظهرت أشكال جديدة من التفاعل. "الردود الشعرية" على تويتر، حيث يرد شخص على آخر ببيت شعر نبطي، أصبحت ظاهرة منتشرة. وهناك تحديات (challenges) على سناب شات تتضمن إلقاء أبيات شعرية.
التقنية لم تقتل الشعر النبطي، بل أعطته منصات جديدة وجمهورًا أوسع.
المنافسة والإعلام: صناعة نجوم
برنامج "شاعر المليون" الذي أطلقته قناة أبوظبي عام 2006 كان نقطة تحول فارقة. فجأة، صار الشعر النبطي منافسة علنية، بجوائز ضخمة، وتصويت جماهيري، وتغطية إعلامية واسعة.
هذا خلق ظاهرة جديدة: "نجم الشعر النبطي". شعراء أصبحوا مشاهير بمعنى الكلمة، لهم جماهيرهم ومعجبوهم. محمد بن فطيس، هدباء الكواري، وغيرهم أصبحوا أسماء معروفة في كل بيت خليجي.
هذه الشهرة جذبت الشباب. صار هناك طموح في أن تصبح "شاعرًا مشهورًا". وهذا أدى إلى موجة جديدة من الاهتمام بتعلم الشعر النبطي، دراسة بحوره، فهم تقنياته.
برامج أخرى تبعت، مثل "أمير الشعراء" للشعر الفصيح و"شاعر الرسول" وغيرها. لكن النبطي ظل الأكثر جماهيرية، ربما لأنه الأكثر قربًا من قلب المشاهد الخليجي العادي.
الهوية والانتماء: أكثر من مجرد كلمات
في عصر العولمة، حيث أصبحت الثقافات متداخلة والهويات مهددة بالذوبان، يلعب الشعر النبطي دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الخليجية.
حين يستمع شاب إماراتي أو سعودي أو كويتي لقصيدة نبطية، فهو يستمع لصوت أجداده، لتاريخه، لقيمه. القصيدة تتحدث عن الكرم، الشجاعة، الوفاء، الشرف – وهي القيم التي مازالت مهمة في المجتمع الخليجي.
هذا الارتباط العاطفي بين الشعر والهوية هو ما يفسر لماذا لا يزال الشعر النبطي مزدهرًا. إنه ليس مجرد فن، بل هو تعبير عن الذات الجماعية.
لغة القبيلة في المدينة
رغم أن معظم الخليجيين اليوم يعيشون في مدن حديثة، إلا أن الانتماء القبلي مازال موجودًا، وإن كان بشكل مختلف. والشعر النبطي كان ومازال وسيلة للتعبير عن هذا الانتماء.
في المناسبات القبلية، الأعراس، المآتم، الاحتفالات، يُلقى الشعر النبطي كنوع من التعبير عن الفخر القبلي أو الولاء للعائلة. هذا البُعد الاجتماعي جعل الشعر أداة تواصل اجتماعي، وليس مجرد فن للاستمتاع.
الموسيقى: حين يلتقي الشعر باللحن
الشعر النبطي ليس كلمات فقط. كثير من القصائد تُلحّن وتُغنى، وهذا أعطاها بعدًا إضافيًا.
فنانون خليجيون كبار مثل محمد عبده، طلال مداح، عبدالمجيد عبدالله، وغيرهم، غنّوا قصائد نبطية وحوّلوها إلى أغانٍ خالدة. هذا الزواج بين الشعر والموسيقى وسّع جمهور النبطي ليشمل حتى من لا يتابعون الشعر بشكل منتظم.
الأغنية الخليجية دون شعر نبطي تفقد جزءًا كبيرًا من روحها. اللحن يمنح الكلمات عمقًا عاطفيًا إضافيًا، والكلمات تمنح اللحن معنى وسياقًا.
نظرة شخصية: لماذا يجب أن نهتم؟
بصراحة، حين تتأمل ظاهرة الشعر النبطي، تدرك أنها درس في الحفاظ على التراث وسط التحديث. الخليج لم يختر بين الماضي والمستقبل، بل جمع بينهما.
النبطي اليوم ليس نفسه قبل مئة عام، ولا يجب أن يكون. هو تطور، استوعب مواضيع جديدة، أدخل مفردات عصرية، استخدم منصات رقمية، لكنه حافظ على جوهره.
هذه المرونة مع التمسك بالجذور هي ما يجعله حيًا. وربما هي درس لكل من يريد الحفاظ على تراثه: لا تجمّده، لكن لا تذيبه أيضًا.
خاتمة: صوت لن يخفت
الشعر النبطي لم ينتشر في الخليج عبثًا. هو لم يُفرض بقوة القانون، ولم يُدعم فقط بالمال. انتشر لأنه لامس حاجة حقيقية في نفوس الناس.
حاجة للتعبير عن الذات باللغة الأقرب للقلب. حاجة للارتباط بالجذور في عالم سريع التغير. حاجة لفن يجمع بين العمق والبساطة، بين الجمال والوضوح، بين التراث والحداثة.
طالما بقيت هذه الحاجات، سيبقى الشعر النبطي. وطالما بقي هناك شاعر يملك موهبة وحسًا، ومستمع يملك أذنًا وقلبًا، فإن صوت النبطي لن يخفت.
مصادر ومراجع
- الهيئة العامة للثقافة - الإمارات: برامج توثيق ودعم الشعر الشعبي والتراث الشفهي
- دارة الملك عبدالعزيز - السعودية: أرشيف الشعر النبطي والتراث الشفوي السعودي
- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت: إصدارات ودراسات عن الشعر الشعبي الخليجي
- برنامج "شاعر المليون" - قناة أبوظبي (2006-حتى الآن)
- د. سعد الصويان، "الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص"، المركز الثقافي العربي
- فالح الحجيّة، "موسوعة الشعر الشعبي" - دراسات في البحور والأوزان النبطية
- مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربي - الدوحة